
في يوم من أيام البكالريوس,تقريبا في الشهر اللي قبل شهر الامتحانات, من حوالي سنة وأزيد من النص بشوية,دار حوار بيني وبين مامتي,
ماما:إمتى بقى تخلّصي,إمتى؟
أنا:هانت يا ماما,خلاص اهه,أنا مستنية اليوم ده بفارغ الصبر.
ماما:وأنا كمان,مستنية تشيلي عني وآخد أنا كمان أجازة.
أنا: منا بساعدك ياماما على طول.
ماما: لأ أنا عوزاكي تشيلي عني كل حاجة,تتحملي المسؤولية كاملة,وأنا يبقى عليّا الإشراف بس.
أنا: متستعجليش عليّا الشغل,أستني عليّا أخلص بس وربنا يسهل,وبعدين أشم نفسي الأول,وأساعد في كل حاجة,وبعدين لما آخد أجازة شهر كدة وبعدين أبقى أشيل كل حاجة لوحدي.
ومرت الأيام....
وبعد ما خلصت أخيراً,وبعد الأجازة بأيام قليلة,زي ما اتفقنا كنت بساعد في كل حاجة,لحد ما أشم نفسي,
وجه يوم ماما صحيت من النوم جسمها مكسر,وعندها صداع,قالتلي أنتي اعملي الأكل النهاردة واعملي كذا وكذا....,
وتاني يوم ماما قالت:أنا شكلي واخدة دور برد جامد جسمي واجعني أوي,وشكلي سخنه,قاست الحرارة,لقت ارتفاع بسيط أوي,المهم يوم عن يوم الدور يزيدعليها والسخونية بتزيد,
لكن كان يوم خالتي هتيجي من السفر من السعودية,وماما وخالاتي وأفراد العائلة,كنا متعودين نروح نستقبل خالتي في شقتها,
في اليوم ده,ماما قالت: أنا حاسة أني أحسن شوية,يلا نروح نستقبل خالتكم,ونروح قبلها لتيته نعد معاها شوية,
كانت أختي في الثانوية العامة,وكانت لسه مخلصة,علشان كده مكناش رحنا لتيته بقالنا مدة نظراً لظروف الإمتحانات,مع العلم إن تيتة في مدينة تانية,
كلنا مرضناش ,وقلنا يا ماما الأيام جاية كتير مش لازم نروح نسلم عليهم النهاردة,لحد ما تخفي,كمان يومين ان شاء الله تكوني بقيتي كويسة ونروح,لكنها صممت,
واحنا هناك ارتفعت السخونية أوي وقالت يلا نروح أنا تعبانة أوي,وروحنا بسرعة,
أول ما روحنا نامت على السرير بلبسها,وأخدت مسكن ونامت,تاني يوم لقينا السخونية وصلت لدرجة أربعين,وماما بترتعش,ومش قادرة تقوم,
أعدنا نعمل كمدات وقت طويل,واديناها مسكنات,لكن السخونية مكنتش راضية تنزل,وماما ما قامتش يوميها إلى لدورة المياة والوضوء,حتى الصلاة كانت بتصليها وهي قاعدة,
يوم عن يوم والتعب بيزيد,والاعراض كلها أعراض دور الانفلوانزا,لكنه شديد,
ماما وبابا وأخويا دكاترة,علشان كده كانوا عارفين اعراض الامراض,
لكن بعد اسبوع من السخونية,كان من الطبيعي أنهم يفكروا,أنهم يعملوا تحاليل,علشان المفروض دور الانفلوانزا,مش بطول أوي سخونيته,وكانت نتيجة التحاليل كلها سليمة,
لكن التعب بيزيد,ومفيش أي مسكن بيخفف الآلام أو بينزل السخونية,عدنا التحاليل تاني,وعملنا تحاليل زيادة,وبرضه مفيش حاجة,
عدنا التحاليل في مكان تاني في يوم تاني,برضه مفيش,
استشارات وآراء وكلام كتيييييييير,ومفيش نتيجة,دكاترة في مختلف التخصصات ومحدش لاقي حاجه,
وكل يوم نعيد تحاليل ونعمل تحاليل جديدة,بدأ يبقى فيه نقص في صفائح الدم,بدأوا يدوروا على الأسباب,مش لاقين حاجة,قالوا أن في مجموعة من الفيروسات بتعمل كده,وعملوا تحاليلها, اللي في القاهرة واللي في اسكندرية,ومش لاقين حاجة,ومع الأيام نتايج التحاليل بتتغير للأسوء,لكن مش لاقين أسباب,بتاخد الادوية على أساس الأعراض,ومفيش تحسن,بل الموضوع بيزداد سوءا,
حالة اكتئاب رهيب دبت في البيت,ماما بتتعذب قدمنا ومش عارفين نقدم حاجة,بندعي ونصلي صلاة حاجة ونتضرع لربنا يشفيها,مرابطين جنبها ليل نهار على السرير نديها الادوية والمحاليل والكمادات,وبنام ساعتين بالتناوب,
اتقلب البيت مستشفى كاملة,كل الدكاترة اجمعوا ان مفيش في ايدينا حاجة اكتر من اللي بنعملها ولا حتى دكاترة الدنيا من مختلف الاماكن ولا اي مستشفى تقدر تعملها حاجة,لان كل دول مش لاقين تشخيص,
وبعد حوالي اسبوعين من التعب,اجمع الدكاترة ان اللي عند ماما نوع من الفيروسات مش معروف نوعه والى الآن مكتشفهوش الطب,
وكان حال ماما بيزداد سوءا,علامات لامراض كتييييير ظهرت عليها,زي امراض القلب والجهاز التنفسي وامراض الكبد,فارتفعت الصفراء وجالها استسقاء وصعوبة حادة في التنفس,.........,باختصار كأن أمراض الدنيا بقت فيها,
كانت بتاخد علاج لكل الامراض,ودون ادنى نتيجة,
كنا بنبكي الدمع ليل ونهار,كنا منهارييييييييييييين جداااااااااا,حاجة واحدة كانت بتصبرنا,
صبر ماما نفسها,كانت من أول المرض وهي بتقول الحمد لله,وبدل الآه بتقول لا إله إلا الله,طول الوقت يارب,أنا راضية يارب,كانت هي بتصبرنا,كانت الناس كلها بتيجي توزورها من جيران لاقارب لاصحاب ,أصل ماما كانت محبوبة أوي,حتى أصحابها من أيام الاعدادي والثانوي كانوا لسه على علاقة قوية بيها,كانت معروفة باجتماعيتها وشعبيتها,
الزوار مكنوش بينقطعوا,وكانت محتاجة راحة جامدة,كنا نرفض ندخلهم الا بس يشوفوها ويطلعوا,كانت تشاورلهم يعدوا وتلح عليهم يفضلوا,مكنش حد بيشوفها ويقدر يمسك دموعه,كل الناس كانت بتعيط,كانت هي اللي تصبرهم,وتقول كل اللي عاوز دعوة معينة يقولي,لان دعاء المريض مستجاب,
طول الوقت اما بترقي نفسها او احنا بنرقيها وهي بتردد ورانا,واما بتدعي لكل انسان هي عرفته في الدنيا,وتقول أمنوا على دعائي,
كان ساعات أخواتي يطلعوا من الاوده علشان مش عارفين يمسكوا دموعهم قدامها,وكانوا يسيبوني معاها,كانت تحاول توصيني,وانا كل ما تيجي توصي اقولها ماما ما تقوليش كده انتي هتخفي ان شاء الله وتبقي كويسة,تسكت علشان ماتزعلنيش,
جت يوم وقالتلنا انا حاسه أني مش هخف,أنا حاسة اني هموت,وقالت انها حلمت ان في صوان كبير تحت البيت,بس بتقول انا مكنتش ميته,كلنا انهارنا من العياط,قالت ليه بتعملوا كده,الموت علينا حق,لو مش هموت دلوقتي هيجي يوم وأموت,وطلبت مني التليفون,مع أنها كانت بترهق جدااااا من الكلام,كلمت صديقة مقربة جدا ليها وانسانة حكيمة بمعنى الكلمة,وقالتلي اطلعي واقفلي الباب,
طلعت وسمعت بداية الكلام,كانت بتوصيها علينا,مشيت من جنب الباب لاني مش قادرة أسمع أكتر,
طلعت نتيجة الثانوية وجابت أختي فوق الثمانية وتسعين في المائة,طبعا معرفناش نفرح,لكن ماما هي اللي قالت لاختي كان نفسي اني اكون كويسة علشان أعملك حفلة قد الدنيا,ودعتلها بالتفوق دنيا ودين,
تاني يوم,كانت الحالة سيئة جدا,وماما بقت محتاجة أوكسجين,نقلوها المستشفى,وروحنا معاها وكنا بالليل,تاني يوم الصبح قالوا لازم تدخل العناية المركزة,مكنتش راضية علشان عاوزة اننا نفضل جنبها,والعناية ممنوع الدخول,الدكاترة أصحاب بابا وعدوها انهم هيدخلونا نشوفها وقت ماتحب,وفعلا,لحد بعد العصر,كنت رايحة العناية أشوفها,لقيت الدكاترة متجمعين وبيتكلموا كلام مش فهماه,لكن فهمت منه حاجة واحدة,ان الفيرس قضى على الكبد تماما,وان ماما لازم تتنقل مستشفى في القاهرة,
جريت بعيط وقلبي هيقف من الكلام اللي سمعته,دخلت اودة المستشفى اللي فيها اخواتي وخالاتي وبعض الاقارب والمعارف,ووقعت على السرير,وانفتحت في حالة هستيرية من العياط,كلهم جريوا عليا,في ايه في ايه؟
قلتلهم الخبر,المكان بقى كله عياط,بعضهم حاضني انا واختي,والباقي في حالة شديدة من الانهيار,دخل بابا وخالي,وقالوا انهم هينقلوا ماما حالا القاهرة في عربية اسعاف,بابا هيركب معاها,وخالي بعربيته,صممت اروح معاهم,رفضوا,وقالوا بس اخويا هيروح مع خالي,اما انا واختي هنروح البيت,وقالوا تاني يوم هنبعت نجيبكم لما نكون خلصنا الاجراءات,
قالوا روحوا العناية سلموا عليها قبل ما تمشي,دخلت العناية لقيت اصدقاءها الاطباء كلهم ملتفين حولين السرير,دخلت بينهم,مبقتش عارفة ابص في عنيها,بدأت في العياط,واحده خادتني برة,وقالتلي لازم تتماسكي قدامها,ونادي لخالاتك,نديت عليهم ودخلنا,وقفت جنبها,حطيت ايدي في ايديها,ضغطت عليا,وبصتلي بصة,فيها كلام كتيييييييييير,حاولت أقول حاجة,ما قدرتش,وكل ما آجي أعيط,حد يغمزلي إني أسكت,رقيتها,وكنت عاوزة أقول حاجات كتييير,بس مش عارفة,ضغطت على نفسي,وقلت حاجة واحدة,ماما إنتي راضية عننا,ابتسمت وبصتلي انا واختي وقالتلي طبعا,
جهزوها وخرجوها ودخلوها عربية الاسعاف,كل الناس نزلت في الشارع,واقفة تبص عليها وهي ماشية, منظر منساهوش ومنساش منظر صاحبتها اللي وصلت من مدينة تانية علشان تشوفها قبل ما تروح القاهرة,وصلت وعربية الاسعاف بتتقفل,وعقبال ما نزلت من العربية كانت عربية الاسعاف بدات تتحرك,اعدت تجري ورا العربية وتعيط,وتقول خلوني اشوفها,بس خلاص العربية مشيت,
روحونا البيت مع بعض المعارف والاقارب,وعدت الساعات ببطئ رهيييييب ,عرفنا انهم ودوها مستشفى من أكبر المستشفيات في القاهرة,لكن ممنوووووووع منعا باتا الدخول فيها للعناية,ولا حتى الزيارة,ولا حتى الاطباء,كان بابا واخويا بيتابعوا بالموبايل,واحنا نكلم بابا,يقول ادعوا مفيش جديد,
طول الليل بنعيط أنا وأختي وبندعي,لحد ما نمنا من شدة العياط والتعب,لاننا كنا منمناش من قبلها بأيااااااااام,
تاني يوم الصبح,كلمت بابا قال أنا لسه هيسأل الدكتور المختص,استغربت ازاي بابا لسه مسألش عليها الدكتور,
اتصلت بأخويا وسألته,قال أصلنا مش عارفين نقابل الدكتور,
رحت أعمل حاجة,أنا وواحدة من معارفنا المقربين كانت بايته معانا,لقينا بنتها بتنادي عليها تكلم جوزها على الموبايل,قلبي انقبض,رحت وراها,سالتها بعد ما خلصت في ايه,قالت مفيش حاجه,جوزي كان بيسألني على حاجة,
ماصدقتش حسيت,ان في حاجة,قولتلها هتصل بأخويا,قالتلي هتلقيه مشغول دلوقتي,قولتلها يبقى في حاجه,ارجوكي قولي,قالتلي مامتك تعبت زيادة,جريت اتصلت باخويا,مردش,اعدت اكرر الاتصال,لحد ما رد,صوته مهزوز اكتر من أي وقت,سألته ماما مالها؟؟
قال:كويسة ,ماما أفضل ماما كانت,قولتله يعني ايه,يعني ايه؟؟؟
قالي:زي ما بقولك,ماما كويسة خالص.
قولتله:لا بجد قولي,سكت .
قولته:ماما...,ماما...,ومش عارفه أقول ماما أيه؟!
قالي:قولي أنا لله وأنا إليه راجعون.
صرخت بأعلى حس:يعني أيــــــــــــــــه؟؟؟؟؟؟؟؟؟ماما خلاص؟؟
قالي:ايوه ,قولي أنا لله وأنا اليه راجعون ,أنا سكت لحظات,وهو بينادي عليا,احتسبي اصبري,الصبر عند الصدمة الاولى,قلت انا لله وانا اليه راجعون ,وقفلت,اعد يحاول يتصل وانا مش برد,
انفتحت في العياط بأعلى حس,تجمع كل اللي كانوا في البيت,وقعت في الارض,انهرت,اختي جنبي مذهولة للحظات,وانفتحت تشاركني العياط,لحظات ولقيت البيت كله ناس من جميع المدن والبلاد,جم امتى عرفوا ازاي ما عرفش,عرفت بعدها انها توفت من الصبح,وانهم كانوا مخبيين علينا,ماتت من قبل ما اكلم بابا,هو مرضاش يقولي,
كنا يوم جمعة بفضل الله,دفنت وصلوا عليها صلاة العصر,جمووووووووع من الناس لا حصر لها,ناس كانت مسافرة برة وجت قبل الوفاة بكام يوم,وناس كانت متعرفش انها ماتت وكانوا جايين يطمنوا عليا انا واختي عرفوا بالوفاة بعد وصولهم,صلوا عليها,
باختصار كانت جنازة مهولة العدد بفضل الله,وبفضل الله,كان يوم جمعة,في حديث صحيح في ان الوفاة يوم الجمعة من علامات حسن الخاتمة,وان اللي يموت فيها بيأمن من فتنة القبر,وكمان ماما متوفية مبطونة,وفي احاديث صحيحة بتقول ان المبطون شهيد, وده تفسير رؤيتها والله اعلم ان في صوان بس مكنتش ميته,لان الشهيد حي يرزق,وبفضل الله كل العلامات كانت بتدل على حسن الخاتمة,وناس كتييييييييير أوي شافوا رؤى جميلة جدا لها بفضل الله,
والحمد لله ربنا مطولش عليها,الموضوع كله من أوله إلى آخره,كان عشرين يوم بالتمام والكمال.
عشت أيام بعدها من أصعب أيام حياتي,كان كل الناس تقولي,احنا مطمنين عليكم لان انتي مع باباكي واخواتك,انتي اكتر واحدة فيهم تقدري تشيلي الموقف وتتحملي وتصبريهم,انتي اكتر واحدة تقدري تطلعيهم من اللي هما فيه,انتي اكتر واحدة شخصيتك تمكنك من انك ترجعي الحياة لمجاريها,
كلام كتييييييير أوي اتقالي,بدأت أقول هي الناس تعرفني اكتر من نفسي؟!
الناس قالت ان انا اقوى واحده فيهم,وانا عارفة السبب,اني بتألم في صمت,ان نفسي بترفض تبين اللي جواها للاخرين بسهولة,
مرارة وألم تذوقتهم محدش ممكن يتخيل قد ايه,واللي زود اللي جوايا اني بدأت اصدق الناس اني اكتر واحدة هاعرف اخرج اهلي من المحنة دي بسلام,
الحمد لله عدت ,
ودلوقتي بفضل الله شايلة المسؤولية,زي ماما كانت بتتمنى,بس للأسف من غير إشرافها.
لكن, مازالت جراح الذكرى دي وآلامها جوايا بتجددها الأيام.
أسال الله العلي العظيم أن يدخلها فسيح جناته بلا مناقشة عذاب أو سابقة عذاب,ويجمعنا بيها في الفردوس الاعلى مع الصديقين والشهداء,وان يبارك في ذريتها,وان يؤانسها في وحشتها وغربتها ووحدتها......
وأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظن الناس بي,ويجعلني قد المسؤولية دي,زي ما الناس بتقول إني قدها وقدود,والله أعلم.